ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

152

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

ما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخشوع والخوف والذي يثبت في قلوبهم فيظهر على أجسادهم فهي ثيابهم التي يلبسون ودثارهم الذي يظهرون وضميرهم الذي يستشعرون ونجاتهم الذي بها يفوزون ودرجاتهم التي إياها يأملون ومجدهم الذي به يفخرون وسيماهم التي بها يعرفون فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر له يوم القيامة . وقال بعض الحكماء الأيام سهام والناس أغراض والدهر يرميك كل يوم بسهامه ويخترمك ( 1 ) بلياليه وأيامه حتى يستفرق جميع أجزائك فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك وسرعة الليالي في بدنك لو كشف لك عما أحدثت لك الأيام من النقص فيك لاستوحشت في كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات بك ولكن تدبير الله فوق الاعتبار وبالسلو ( 2 ) عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها وإنها لأمر من العلقم إذا عجنها الحكيم وقد أعيت الواصفين لعيوبها بظاهر أفعالها وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به المواعظ فنستوهب الله رشدنا إلى الصواب . خطب عمر بن عبد العزيز فقال أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به فأنتم حمقى وإن كنتم تكذبون به فأنتم الهلكى إنما خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون فاعملوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه . ويجب على أهل العقل والفهم والأدب والمعرفة أن يعلموا أن الدنيا قد أهانها الله تعالى ولم يرضها لأوليائه وإنها عنده حقيرة قليلة وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم زهد فيها وحذر من فتنتها فينبغي لأهل هذه الأوصاف أن يأكلوا قصدا ويقدموا فضلا ويأخذوا منها ما يكفي ويتركوا ما يلهي ويلبسوا من الثياب ما ستر العورة ويأكلوا من الطعام أدناه مما يسد الجوعة وينظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية والآخرة أنها

--> ( 1 ) اخترمه : استأصله وأهلكه . ( 2 ) سلايسلو سلوا الشيء وعنه : نسيه وذهل عن ذكره .